مُقَبِّلاتُ مُتَنَطِّعٍ!

د. محمد مراح

مُعلَم وكاتب جزائري أصيل مدينة تبسة .

20/09/2022

منشور  ” الحرية كأساس مرجعي للفاعل السياسي العربي”* هو حالة ارتجاجات  قوارع الحجج والبراهين . وهذا مزيد منها :

  1. يقول صاحب المشور :” لم أرم أبدا بذلك إلى القول بضرورة تجاوز الأساس الأخلاقي الذي هو من أعمدة البناء في عمارة النموذج الحضاري الاسلامي، أنا أتحدث عن الحس الأخلاقي المستتر في الأعماق النفسية للمسلم كعائق للعبور والحضور في فضاءات الفعل التاريخي اليوم” .

 وهذا ما لم يقصده في منشور:” تعقيبا على الدكتور عبد الله النفيسي.” :كلام يدفع إلى التساؤل حول طبيعة العمل السياسي الإسلامي وعلاقته بالمعطى الأخلاقي، ومدى تأثير هذا الأخير على الناشط الاسلاموي في تدبير وانفاذ القرار السياسي، كما ويحيلنا إلى التساؤل حول حقيقة فقر الحركات الإسلامية من الجهاز التفكيري، وهل ما ينقصها حقا هو المفكر أو الاستراتيجي؟

تتوالى الانتكاسات الاسلاموية دون أن تطرح الأسباب على المشرح لمحاولة فهم الأسباب داخل السياقات التاريخية والموضوعية، ذلك لأن جل المصاعب التي عانى منها الجهد الفكري في مسعاه لوضع مشروع عملي موضوعي مستجيب لمشروطية العصر، كان ولا يزال يصطدم بالجانب “الاخلاقي” بسبب هيمنة ما أسماه عبد الوهاب المسيري “العقل الأخلاقي” على كل نشاط وحركة المسلم في سياق التاريخ حيث تتسع فيه عناصر التأثير والفعالية عدا الاخلاق”

إذن نحن إزاء احتمالين هما : أحدهما تحريف الكلم عن مواضعه . والثاني :  أننا نواجه حالة كتابة معنى معين ثم فهمه بنقيضه ، وكلتا الحالتين رزية !!!  أما رزية الخبط اللغوي فطامّة في كلّ منشور  ينشره !!!

 نحن هنا أيضا إزاء احتمالات هي : الأول تحاملُ الضاغن ، أما الثاني : فقولٌ عن غير هدى ولا كتاب مبين ، وأمّا ثالثها : فإفتراء وبيل .

 وملحق بالنموذج شبيهه : فقد قلنا في معرض تعليقاتنا على منشوره “… أزمة العالم في رؤية الحركة الإسلامية متوعة وثرية ومركبة وشاملة تبدأ من العقيدة إلى أزمة المناخ ، ومجرد نظر في بيبليوغرافيا تراثها وحده يبطل زعم المنشور ” .

2 . مثّل المنشور للنص التفسيري  المقصود وهو كما قلنا نقيض النص المُفسَّرِ قائلا  :” … غياب النموذج الإسلامي في باحة الفنون الكبرى لا يزال محل نقاش على داخلي لا على مستوى أجهزة تفكيك المفاهيم وبناء الاستراتيجيات، بل على مستوى  أجهزة إنتاج القرار العلمي، المعرفي وأعقدها جهاز الإفتاء الذي لا يزال يترنح مثلا في جزئية حرمة الموسيقى وادواتها من حلالهما، هل التماثيل الفنية اليوم هي أصنام الأمس التي كانت تعبد؟ الأدب نفسه محل نقاش أخلاقي في مضمونه بين مستجيب ومستريب” !

لكن يبدو أن أثر الحقيقة فعل فعله ، فكتب في منشوره  “…يحتج [أي أنا]بالقول أن الإسلاميين واجهوا الفكر المعاصر بالندية المثلى وقدموا بدائل وصلت حد طرح البدائل في عنصر البيئة”!

الأدلة الناقضة / الصحوة الإسلامية التي يعود لحركة الإخوان المسلمين في العالم العربي فضل بعثها وتنميتها ورعايتها ونشرها، تيار شامل في المجتمع العربي كحال كثير من بلاد المسلمين، غدا حالة حضارية في الأمة خلال العقود الثلاثة الأخيرة ، تُعدُّ الحركات والتنظيمات الإسلامية      مكوناتها الكبرى الرئيسة ، ومما يترتب على هذا الإحياء الإسلامي المبارك { الصحوة الإسلامية} أنتجت وعملت ودعت وأبدعت وأبتكرت واجتهدت وجددت في مجرى هذا الإحياء الذي يصب كل ما انطوى تحت ما ذكرناه في مجرى نهره.

وفي مثال الحال : فالمؤسس الفعلي للأدب الإسلامي الحديث والمعاصر  هو مصطفى صادق الرافعي  [  1880 ــــ 1937  ] رحمه الله من خلال كتابه {إعجاز القرآن} الذي اكتنز قواعد منهج الأدب الإسلامي من خلال  أسرار الإبداع الفني المعجز  في القرآن الكريم، كما هو الحال مع أسرار البلاغة لعبد القاهرالجرجاني [   400 ــ 471 ه   ] الذي مدّ الأديب العربي بجواهر الإبداع القرآني ملهمة هادية .

أما التأسيس المباشر لما بات يعرف بالأدب الإسلامي فبذرته مقال الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى [ 1906 ــــــــ 1968] في مقاله “منهج للأدب” نشر في رسالته “في التاريخ فكرة ومنهاج” . ثم وسع أخوه الأستاذ محمد قطب رحمه الله  [ 1919 ــــ 2014 ] النظرية في كتابه “منهج الفن الإسلامي” الذي يمنح المتأمل المدقق فيه جوهر الفن الإسلامي العميق؛ أنه فن إنساني  يعبر عن الفطرة الإنسانية السليمة ؛ ولهذا مثلّ للفن الإسلامي بنصوص عربية قديمة ومعاصرة إلى جانب نصين أخدهما للشاعر الهندي طاغور [  1861 ـــــ 1941]، والثاني مسرحية قصيرة للأديب الإيرلندي    جون ميلون  .سينج John Millington Synge [ 1871 ــــ 1909 ]  ، ثم انداحت دائرة الأدب الإسلامي بفنون الأدب المعروفة في العالم العربي والعالم الإسلامي باللغة العربية وباللغات الإسلامية. وهو الآن مجال أكاديمي يدرس في جامعات عربية وإسلامية ، ويتعذر الاستطراد فيه الآن لسعته الهائلة ولضيق المقام هنا ، لكننا نشير إلى أن أبرز ممثليه : القصة والرواية الدكتور نجيب الكيلاني[    1931 ــــ 1995  ] والمسرح النقد الإسلامي الدكتور عماد الدين خليل [  1941 ــــــ ……  ] أطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية   .

أما مسألة الغناء فمسألة فقهية بالأساس تنوعت فيها الاجتهادات الفقهية منذ القدم كما هو الشأن في مسائل الفروع في الفقه الإسلامي، ونشير إلى أن من الفقهاء الكبار الذين كان لهم فتوى شهيرة في الغناء والمعازف هو الإمام الظاهري ابن حزم الأندلسي [  384 ــــــ  456  ] ،فضلا عن معنى لطيف يُنسب لحجة الإسلام [   (450 هـ505 ه   ] .

ومن الفقهاء المعاصرين الكبار  الذين ساروا على هذا الاختيار الفقهي شيخ الأزهر الكبير الشيخ محمود شلتوت [  1893م1963].

وما دمنا نستعرض العظلات الضامرة والمفتولة هنا ، أود الإشارة الوجيزة لجهود عالمين كبيرين في القرن العشرين الشهدين هما المفكر  الكبير والأستاذ المرموق في مقارنة الأديان والعقائد الفلسطيني الأمريكي الدكتور ر  إسماعيل راجي الفاروقي  [  1921م – 1986م ] و زوجته الباحثة المتخصصة في الموسيقي الإسلامية لويز لمياء الفاروقي [  1926 ــــــ 1886  ] اللذان امتدت لهما يد الغدر المشبوهة في ليلة 18من  رمضان بمسكنهما في الولايات المتحدة الأمريكية أردتهما شهيدن رحمهما الله تعالى .

 أقتصر على مثل مما أبدعه الفاروقي : سلسلة مقالات رائدة نشرت مترجمة إلى العربية في مجلة المسلم المعاصر { تأسست عام 1974، ورسالتنا للماجستير طرقت ريادتها فيما صار يعرف بإسلامية المعرفة /     } منها : التوحيد والفن ـــــ نظرية الفن الإسلامي وغيرهما  ليتسامق إلى ذروة التأصيل الفلسفي للفن الإسلامي في كتابه الفريد ” التوحيد : مضامينه على الفكر والحياة ” في مبحث {مبدأ الجمال } .

أما الدكتورة الأمريكية الأصل  لويز لمياء الفاروقي أذكر  :” الموسيقي والموسيقيون في ميزان الشريعة الإسلامية : و” الفنون والغزو الثقافي ” وفق منهج حضاري متكامل ، لم يقتصر على الأحكام الفقهية كما يحب أن يفرح الفرحون بحق وبباطل !!!

أما الأنشودة الإسلامية فقد نجحت في ترسيخ بديل فني ملتزم في الساحة الإسلامية ، برع فيها أصوات إنشاد في أعلى ذرى الإبداع الفني الإنشادي .يهزل المنشور بالعقل والواقع ؛ فيثلب الكتابات المجردة!   مما تعلمناه : أن توضيح الواضح من الفضائح ، فاللهم لا فضوح !

لكن لابأس بِمُثَيْلٍ :  في منشور ” معضلة الحدود المكانية للهوية القطرية المركبة.. الفكر الاسلاموي كنموذج للاضطراب”   يتجرد صاحبه من الكتابة المجردة، و”يتطبق{ من التطبيق} أو يتعمل {من العمل} بابتكار جيو استراتيجي تغير وثبات جغرافيات الدول وعلاقاتهما بالتنمية والتطورالتي توسل بها المقال لثلب الفكر الإسلامي السياسي، فيريد المقال ان يقرر بها تصورا شخصيا هو أن التمسك بالهوية الجغرافية والقومية والحدود الحغرافية تخلف وعرقلة للتطور والتنمية ! إذا عرض هذا الايتكار على هيئة علمية موقرة من أساتذة الدراسات الاستراتيجية ، ما عساهم يقولن فيه قيمة ومصدرا!

إذن العبرة بالمجرد أو غير … لا داعي فتوضيح الواضح من الفضائح كما تعلمنا بحق .

3 . من بدهيات العصر أن  الأحزاب والهيئات السياسية  في الدول المتطورة تستند حقا لنتائج الدراسات الاستراتيجية والجيو سياسية والمستقبلية، وتُحلها في محلها البدهي لديهم بالطبع ، وهذه الدراسات والتقارير الاستراتيجية وتقديرات المواقف تنجزها مؤسسات علمية مستقلة عن الهيئات والأحزاب لضمان موضوعيتها وحيدتها .

ولذا فقكرة منشور  النفيسي ….  لا ريب تجرفه هذه الحقائق والبدهية، ولذا {فردحة} {المفكر الاستراتيجي} الذي لا مستقبل للحركات السياسية الإسلامية إلا به ، يأكلها أهم معطى ألا وهو أن التسير في المؤسسات الحديثة قاطبة تسيير الفرق وخلايا التفكير والتخطيط ، والإشراف والتنفيذ . ألم نقل إن شرح الواضح من الفضائح؟!

ويقينا أن هذا الثالب لا تعرف منهجية التحليل  العلمي لقلمه سبيلا من حيث عرض الظواهر والمشكلات والقضايا بتتبع أسبابها وتعقيداتها وتشابكاتها، يطير فوق الأحداث التاريخية  فيما يمكن وصفه مجازا بالطائرت المسيرة  دون أن يعبأ بخطورتها ووجوب تعمقها،  واستنطاق الوثائق التاريخية، أو عرض الأراء حولها مقارنا الأدلة للخلوص لرأي متوازن يستحق التقدير وإن اخْتُلف معه

هذه إذن “مقبلات”  و” مزة “لمائدة سيُغدق عليها { المتنطع}  صنوف الأطباق ؛ إذ يفرغ لثَقَلِها صاحب المنشورات !!!

أه لا أنسى :  تنطع في عمله لغة حذقه.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

*رأي اليوم ، 19 9 2022

.