ثلاث قضايا عدلية شغلت الرأي العام الجزائري : صنصال وبلغيث وبوعقبة ؛ قضى فيها القضاء بأحكام ، ليست محل نقاش الآن ؛ فذاك شأن قانوني ، لا يقربه من هذه الزاوية إلا أهله .
لكن للقضايا التي حوكموا بها مسالك أخرى ، سياسية واجتماعية وأخلاقية وإعلامية وتاريخية وإنسانية . ولخصوصية المرحلة التي يمر بها العالم تتداخل كلها وأبعد منها ، بغية التوجيه والاستثمار والاستغلال والاستهداف المرتبط بالمشروعات السرية والمعلنة من قوى داخلية وخارجية، لإقليمية وعالمية .
من هنا حرص المشرع الدستوري على وضع متنفس قانوني ، تتنفس عبره القضايا العدلية.بحسب مخارج تلك المسالك ، التي في خصوصية مجتمعنا، تفيض بالقيم الأخلاقية الرحيمة المتصالحة بالعفو والتجاوز، المقيلة للعثرات ، الجابرة للخواطر ، المراعية للروابط الاجتماعية والقبلية . وجاه نضال الحركة الوطنية ، وحاكمية ثورة نوفمبر أخلاقيا، موقرة من الدولة الوطنية ، فتظهر في الأحوال والأوقات المناسبة ، باعثة غبطة في النفوس وسرورا .
وهنا تظهر السمات الحضارية لمجتمع تغمره قيم الإسلام ، والتاريخ الاجتماعي الوثير بالوئام والتصافي والتسامح . ولا زلنا قريبي عهد بإنجاز حضاري يرقى لمنجزات الأمم الكبيرة في معايير الإنسانية والحضارية ؛ المصالحة الوطنية التي حقنا بها دمائنا ، ولملمنا جراحنا، وأغضنا عدونا ،بشموخ وعزة أمة أنجزت ” نوفمبر المقدس” ، ورمينا على وجوه الجميع المَلّةِ { الرماد الساخن} ؛ ممن كان يشمت بنا، وينتظر سقوطنا، ويتعالى علينا ، ويحتقرنا ، ويتآمر علينا ، ولا يبالي بنا .
إن شعبا وأمة وفرت في رصيدها للزمن القُلَّبُ أيامه ، هذه الكنوز الأخلاقية والقيمية ، لخليقة وجديرة بأن تجتهد لتحويلها لأنماط فلسفية وفكرية ومعرفية اجتماعية وسياسية واقتصادية ، تؤسس لنموذج حضاري يميزها .
ها قد أضافت السيدة مهدية بن بلة رصيدا ذهبيا للرصيد القيمي الإنساني والاجتماعي الوطني ، إذ تنازلت عن الدعوى ، فهي بذلك تذكر العالم بوالده الزعيم الكبير بن بلة رحمه الله يعلن في “شاهد العصر قائلا :” سامحت سامحت “، بعد سجنه خمس وعشرون سنة . لقد منحت الأستاذ سعد بوعقبة الحرية . فوجب أن نحمد الله تعالى على هذه النهاية الحكيمة ، لصحفي كبير خط مسارا مفعما بالمتناقضات ، لم تخسره الوطنية أو على الأصح فوت موقف السيدة مهدية بن بلة على الأطراف التي تضع كافة الأوراق على طاولة إعادة النظر في كل المنجز الوطني منذ سيد المقاومة الوطنية وشيخها الأمير إلى جزائر الحراك ، ثم مخرج الحل الدستوري المنقذ من خراب ودمار ” الحل السوداني” : ألم يوحي من أوحى لتيار التأزيم أن الحل الأمثل لما بعد الرئيس بوتفليقة رحمه الله هو الحل السوداني ، وها نحن نعيش خراب السودان المسكين .
الأستاذ بوعقبة الذي قال له يوما الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد رحمه الله :”إنك تكتب بـ”الأسيد” . كنت أقرأ كأكثر المواطنين مقالاته في الشروق واليوموالخبر ، حول قضايا الحرية والديمقراطية ، واضطهاد صحفي تونسي كبير مثلا ، فيقشعر بدني ؛ لقوته وصدقه ، ونظافته. ينشر في عموده في الشروق اليومي ” نقطة نظام” أحيانا رسائل قراء شديدة النقد لبعض كتاباته وآرائه . كان يبلغ به الشطط أحيانا تجاوزات تبلغ حد السقوط الأخلاقي المريع ؛ أذكر مرة رده على قارئ عاتبه عن تناول شخصية إسلامية دعوية كبيرة ، نبرد بألفاظ غير أخلاقية ، فأتى رد بوعقبة في غاية السوء والفحش ، فكتبت مقالا غاضبا في مستوى القبيحة التي أقدم عليها في حق عرض القارئ المسكين . لكنه امنتع عن النشر و الرد .
في تقديري أن التصريحات الهوجاء والمسار المتطرف والخلط الغريب الذي طبع مسار الأستاذ سعد بوعقبة في الفترة الأخيرة ؛ مبعثها استغلال أطراف غير منكورة منذ محالولة نسج شبكة العنكبوت بين تموجات الحراك ، السمة الرئيسة لنفسيته وشخصيته الصحفية المتفجرة ، على صفحة العمر والسن ، وأخذوا يستفزونه بالأسئلة المثيرة ، والمظلومية ، والوطنية الهائجة ، فكانوا يظفرون منه ببعض ما يبتغون . والدليل على ذلك سحب بوعقبة لساحة ، لم تكن يوما مجالا لنضاله ، ولا توجهاتهم الفكرية والسياسية هواه السياسي والفكري . أذكر مقالة قرأتها له قص معجبا بموقف؛ مفاده أن الرئيس الشاذلي دعا يوما الشيخ والداعية الثائر عمر العرباوي أحد رجال جمعية العلماء ، الذي كان الرئيس يسمع بعض خطبه ، من المسجد القريب من الرئاسة ، مهدئا برفق واحترام يليق بتاريخ الشيخ ، { للأسف لا أستحضر الكلمات الحكيمة التي رواها بوعقبة في مقاله }.
إذن في ظلال هذه النحيزة الوطنية، والميراث الاجتماعي الضارب في تاريخ العلاقات الاجتماعية الجزائرية ، والكنز الفريد الذي راكمته مصائب أكلح الأيام ، وأبشع الفتن التي أدخلت علينا بفعل فاعلين ، ورفعت المصالحة الوطنية وحكمة الفترات الفارقة بين استمرار أمانة نوفمبر وشهدائه أو انفراط العقد وتشظي حباته إلى غير وجهة، ودون رجعة . ليس بغريب أن تظلل شجرة التراحم والتجاوز تلك ، ونور النبوة في قوله الرسول الرحيم العفو :” أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم” . فتستحضر هيئات الأستاذ محمد الأمين بلغيث : تراثه العلمي الباذخ ، الذي يعد من أكبر أركان المدرسة الوطنية في كتابة تاريخنا الوطني ، وجهوده الإعلامية التي شيدت أركانا في الإذاعة الوطنية منذ الثمانينيات عبر برنامج مغرب الشعوب، وفي القنوات التلفزية الوطنية العمومية والخاصة . وأركانا في أشهر وأكبر صحفنا الوطنية : النصر ، والشعب ، والبصائر ، واليوم ، وغيرها . وأركان أغلب الملتقيات العملية التاريخية والوطنية والإرشادية والثقافية في الجزائر، حتى لا تكاد مدينة او بلدية أو حتى دوار في ربوع الجزائر إلا وللأستاذ بلغيث أثر حضور في منصة محاضر أو كرسي مسجد وهكذا . وأركان المؤسسة الأكاديمية الجامعية معقله الأصلي ، التي شيد فيها عقول آلاف الطلاب الذين صار كثير منهم رصفاء الميدان ، وبلغ كثير منهم أعلى مراتب المسؤوليات في الدولة . وفي كامل التراب الوطني ، نضح الخلق التربوي الرفيع والأخلاقي الجزائري الأصيل النابع عن روح الشهيد، في تفجعاتهم على ما ألم بأستاذهم الساكن في ضمائرهم .فضلا عن ركن الإشراف العلمي باقتدار وكفاءة .ليس بغريب عن الروح الاجتماعية ، التتي بنيت عليها الدولة الوطنية منذ اندلاع ثورة نومبر المقدسة ، والتي مدلولها مباشرة ” الجزائري الضعيف المسكين الشريف ” أن تمد ظلالها للأستاذ بلغيث الذي أشهد الله أني أول ما عرفته منذ أربعين سنة ، كان قوله وقلبه ولسانه مساكنا دافئة لرمز ” المواطن الاجتماعي ” بهذا المدلول . من أين لحراس معبد التأزيم السياسي والثقافي والاجتماعي ، أن يمنعوا ظلال الروح الجزائرية ان تظلل الأستاذ بلغيث ، ألم نشهدها في حالة نورالديم حمودة .
ثلاث قضايا عدلية شغلت الرأي العام الجزائري : صنصال وبلغيث وبوعقبة ؛ قضى فيها القضاء بأحكام ، ليست محل نقاش الآن ؛ فذاك شأن قانوني ، لا يقربه من هذه الزاوية إلا أهله .
لكن للقضايا التي حوكموا بها مسالك أخرى ، سياسية واجتماعية وأخلاقية وإعلامية وتاريخية وإنسانية . ولخصوصية المرحلة التي يمر بها العالم تتداخل كلها وأبعد منها ، بغية التوجيه والاستثمار والاستغلال والاستهداف المرتبط بالمشروعات السرية والمعلنة من قوى داخلية وخارجية، لإقليمية وعالمية .
من هنا حرص المشرع الدستوري على وضع متنفس قانوني ، تتنفس عبره القضايا العدلية.بحسب مخارج تلك المسالك ، التي في خصوصية مجتمعنا، تفيض بالقيم الأخلاقية الرحيمة المتصالحة بالعفو والتجاوز، المقيلة للعثرات ، الجابرة للخواطر ، المراعية للروابط الاجتماعية والقبلية . وجاه نضال الحركة الوطنية ، وحاكمية ثورة نوفمبر أخلاقيا، موقرة من الدولة الوطنية ، فتظهر في الأحوال والأوقات المناسبة ، باعثة غبطة في النفوس وسرورا .
وهنا تظهر السمات الحضارية لمجتمع تغمره قيم الإسلام ، والتاريخ الاجتماعي الوثير بالوئام والتصافي والتسامح . ولا زلنا قريبي عهد بإنجاز حضاري يرقى لمنجزات الأمم الكبيرة في معايير الإنسانية والحضارية ؛ المصالحة الوطنية التي حقنا بها دمائنا ، ولملمنا جراحنا، وأغضنا عدونا ،بشموخ وعزة أمة أنجزت ” نوفمبر المقدس” ، ورمينا على وجوه الجميع المَلّةِ { الرماد الساخن} ؛ ممن كان يشمت بنا، وينتظر سقوطنا، ويتعالى علينا ، ويحتقرنا ، ويتآمر علينا ، ولا يبالي بنا .
إن شعبا وأمة وفرت في رصيدها للزمن القُلَّبُ أيامه ، هذه الكنوز الأخلاقية والقيمية ، لخليقة وجديرة بأن تجتهد لتحويلها لأنماط فلسفية وفكرية ومعرفية اجتماعية وسياسية واقتصادية ، تؤسس لنموذج حضاري يميزها .
ها قد أضافت السيدة مهدية بن بلة رصيدا ذهبيا للرصيد القيمي الإنساني والاجتماعي الوطني ، إذ تنازلت عن الدعوى ، فهي بذلك تذكر العالم بوالده الزعيم الكبير بن بلة رحمه الله يعلن في “شاهد العصرقائلا :” سامحت سامحت “، بعد سجنه خمس وعشرون سنة . لقد منحت الأستاذ سعد بوعقبة الحرية . فوجب أن نحمد الله تعالى على هذه النهاية الحكيمة ، لصحفي كبير خط مسارا مفعما بالمتناقضات ، لم تخسره الوطنية أو على الأصح فوت موقف السيدة مهدية بن بلة على الأطراف التي تضع كافة الأوراق على طاولة إعادة النظر في كل المنجز الوطني منذ سيد المقاومة الوطنية وشيخها الأمير إلى جزائر الحراك ، ثم مخرج الحل الدستوري المنقذ من خراب ودمار ” الحل السوداني” : ألم يوحي من أوحى لتيار التأزيم أن الحل الأمثل لما بعد الرئيس بوتفليقة رحمه الله هو الحل السوداني ، وها نحن نعيش خراب السودان المسكين .
الأستاذ بوعقبة الذي قال له يوما الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد رحمه الله :”إنك تكتب بـ”الأسيد” . كنت أقرأ كأكثر المواطنين مقالاته في الشروق واليوموالخبر ، حول قضايا الحرية والديمقراطية ، واضطهاد صحفي تونسي كبير مثلا ، فيقشعر بدني ؛ لقوته وصدقه ، ونظافته. ينشر في عموده في الشروق اليومي ” نقطة نظام” أحيانا رسائل قراء شديدة النقد لبعض كتاباته وآرائه . كان يبلغ به الشطط أحيانا تجاوزات تبلغ حد السقوط الأخلاقي المريع ؛ أذكر مرة رده على قارئ عاتبه عن تناول شخصية إسلامية دعوية كبيرة ، نبرد بألفاظ غير أخلاقية ، فأتى رد بوعقبة في غاية السوء والفحش ، فكتبت مقالا غاضبا في مستوى القبيحة التي أقدم عليها في حق عرض القارئ المسكين . لكنه امنتع عن النشر و الرد .
في تقديري أن التصريحات الهوجاء والمسار المتطرف والخلط الغريب الذي طبع مسار الأستاذ سعد بوعقبة في الفترة الأخيرة ؛ مبعثها استغلال أطراف غير منكورة منذ محالولة نسج شبكة العنكبوت بين تموجات الحراك ، السمة الرئيسة لنفسيته وشخصيته الصحفية المتفجرة ، على صفحة العمر والسن ، وأخذوا يستفزونه بالأسئلة المثيرة ، والمظلومية ، والوطنية الهائجة ، فكانوا يظفرون منه ببعض ما يبتغون . والدليل على ذلك سحب بوعقبة لساحة ، لم تكن يوما مجالا لنضاله ، ولا توجهاتهم الفكرية والسياسية هواه السياسي والفكري . أذكر مقالة قرأتها له قص معجبا بموقف؛ مفاده أن الرئيس الشاذلي دعا يوما الشيخ والداعية الثائر عمر العرباوي أحد رجال جمعية العلماء ، الذي كان الرئيس يسمع بعض خطبه ، من المسجد القريب من الرئاسة ، مهدئا برفق واحترام يليق بتاريخ الشيخ ، { للأسف لا أستحضر الكلمات الحكيمة التي رواها بوعقبة في مقاله }.
إذن في ظلال هذه النحيزة الوطنية، والميراث الاجتماعي الضارب في تاريخ العلاقات الاجتماعية الجزائرية ، والكنز الفريد الذي راكمته مصائب أكلح الأيام ، وأبشع الفتن التي أدخلت علينا بفعل فاعلين ، ورفعت المصالحة الوطنية وحكمة الفترات الفارقة بين استمرار أمانة نوفمبر وشهدائه أو انفراط العقد وتشظي حباته إلى غير وجهة، ودون رجعة . ليس بغريب أن تظلل شجرة التراحم والتجاوز تلك ، ونور النبوة في قوله الرسول الرحيم العفو :” أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم” . فتستحضر هيئات الأستاذ محمد الأمين بلغيث : تراثه العلمي الباذخ ، الذي يعد من أكبر أركان المدرسة الوطنية في كتابة تاريخنا الوطني ، وجهوده الإعلامية التي شيدت أركانا في الإذاعة الوطنية منذ الثمانينيات عبر برنامج مغرب الشعوب، وفي القنوات التلفزية الوطنية العمومية والخاصة . وأركانا في أشهر وأكبر صحفنا الوطنية : النصر ، والشعب ، والبصائر ، واليوم ، وغيرها . وأركان أغلب الملتقيات العملية التاريخية والوطنية والإرشادية والثقافية في الجزائر، حتى لا تكاد مدينة او بلدية أو حتى دوار في ربوع الجزائر إلا وللأستاذ بلغيث أثر حضور في منصة محاضر أو كرسي مسجد وهكذا . وأركان المؤسسة الأكاديمية الجامعية معقله الأصلي ، التي شيد فيها عقول آلاف الطلاب الذين صار كثير منهم رصفاء الميدان ، وبلغ كثير منهم أعلى مراتب المسؤوليات في الدولة . وفي كامل التراب الوطني ، نضح الخلق التربوي الرفيع والأخلاقي الجزائري الأصيل النابع عن روح الشهيد، في تفجعاتهم على ما ألم بأستاذهم الساكن في ضمائرهم .فضلا عن ركن الإشراف العلمي باقتدار وكفاءة .ليس بغريب عن الروح الاجتماعية ، التتي بنيت عليها الدولة الوطنية منذ اندلاع ثورة نومبر المقدسة ، والتي مدلولها مباشرة ” الجزائري الضعيف المسكين الشريف ” أن تمد ظلالها للأستاذ بلغيث الذي أشهد الله أني أول ما عرفته منذ أربعين سنة ، كان قوله وقلبه ولسانه مساكنا دافئة لرمز ” المواطن الاجتماعي ” بهذا المدلول . من أين لحراس معبد التأزيم السياسي والثقافي والاجتماعي ، أن يمنعوا ظلال الروح الجزائرية ان تظلل الأستاذ بلغيث ، ألم نشهدها في حالة نورالدين حمودة .