بلال يتألم !

د. محمد مراح

مُعلَم وكاتب جزائري أصيل مدينة تبسة .

15/12/2025

الآذان شعيرة النداء للعبادة الأولى في الإسلام، تَخَيَّرَهُ النبي صلى الله عليه وسلم بهداية من الله تعالى بعناية بالغة من بين وسائل طُرِحَتْ بين يديه من الصحابة الكرام رضي الله عنهم. فكانت لطيفة انبثاقه رؤيتين  صالحتين من صحابيين كريمين، بَصَم على مشروعيته، فدخل للتداول في النظام الروحي والاجتماعي للمجتمع المسلم عَلَمًا على صفته وميزته .

واختيار المولى تعالى هذا المسلك الروحي الغيبي اللطيف لانبثاق الوسيلة  تماهيا مع سرّ أسرار الصلاة من عنوان العبودية الأول لله تعالى، واللوذ به من محب عاشق متذلل  بين يديه، تضطرم عواطفه و وجدانه وأشواقه واجتماع كينونته على الاستقامة والطمأنينة والاعتدال والخشوع،  وتمازج الجوارح مع كلّ ذلك في مشهد عبادة فريد.

و لعلّ في اختيار النبي صلى الله عليه وسلم بلالا مؤذنه الرئيس فضلا عن الصوت الندي، والسابقة في الإسلام هدية من الله تعالى ورسوله لِصَابِر الصخرة بأنشودة {أَحَدٌ أَحَدٌ }، ثم اختيار مؤذنه الثاني ابن أم مكتوم  ترضية مبتلى صَدّقَ العتاب الرباني لنبيه فيه، مع عجز عن شهود الأثر على المُعَاتَب الطاهر صلى الله علبيه وسلم .

ولعلّ لطيفة اللطائف الخفية في شعيرة الأذان إشاعة الأُنْسِ في نفوس المسلمين والإنشراح في صدورهم ، والشوق للهرع إلى اللقاء في الكتاب الموقوت؛ فكأنما الأذان دفق من الأنوار و نهوض نشيط للإقبال على الصلاة. فهو نوع من تحضير المسلم لها ، بما يليق بمنزلتها .  هذابعض  من مقال  “من مآسي الأذان” المنشور في موقع “بركة نيوز ” المحترم، من مآسى الأذان ! –  ttps://www.barakanews.dz › posts › mn-mas-alathan @^26l11l2024

عرضنا فيه ما اعترى الأذان في كثير من مساجدنا  من مآسي واختلالات منكرة، وسُقنا نماذج عن تلك الإهانات  التي يتعرض لها من بعض مؤذنينا على مرأى  من أئمة مساجد ، تُتداول فيها الانتهاكات الخطيرة للشعيرة العظيمة على مدار الصلوات الخمس والجمع، دون أن يُرَى منهم ، استنكار ، بله قيام بالواجب الشرعي والقانوني الحازم العازم لإصلاح الوضع ، وإيقاف المهازل، والحزم في السعي لدى الجهات الوصية إداريا ،بتوفير مؤذنين أكفاء متقنين ، وفق القواعد الشرعية، والشروط البيولوجية الصوتية على وجه الخصوص، و ملكات الصوت الجمالية كنداوته وعذوبته، وجماله الباعث على الخشوع ، بين يدي الإقبال على الصلاة.

بل ما نراه في بعض المساجد شيء غير قليل  من اللامبالاة والبلادة في الإحساس بالمعضلة ، والشعور بفداحة ما يأتيه بعض المؤذنين في حق الأذان . وهذا الكُسَاح ُ في الشعور  وتبلده  أخطر  ما يهدد أمة في سلامتها الاجتماعية و النفسية والسلوكية ، وإجمالا واقعها ومستقبلها الحضاري ، كما قال الشيخ الإمام محمد الغزالي .  إذا لمسنا  للمصلين عذرا ؛ قد يكون باعثه قلة علم أو عدمه، بأحكام الأذان الشرعية، ومقتضياته الصوتية والجمالية ، وقد تكون غلبة الهموم الاجتماعية اليومية ،فلا يأبهون  لانتهاكات مؤذنين للأذان  ؛ فما دام الصوت يرفع بنداء للصلاة ، فيلبى المستطيع منهم النداء ،لحضور الجماعة والجُمَعُ ، و ذوي الأعذار أو من لا تجب ولا تُسَنُّ في حقه الجماعة يبلغه دخول وقت الصلاة فيصلى . وقد يكون للعوامل  التكنولوجيا المعلومات  دورها في احتواء المشاعر والاهتمامات، والترفيه ، وإشباع المشاعر الدينية  و الرغبات والحاجات النفسية والعاطفية والغريزية والتواصلية الاجتماعية والثقافية، أثر قوي جبار يشيح بالعقل عن التنبه لما يجري حوله ، ويُنَادَى به ، ويُخَاطَبُ ، في مختلف شأنه ؛ سلامة أو عطبا ، سوية أو اعوجاجا، مشروعا أو غير  مشروع ، مسوغا أم غير  مسوغ . وهذه بطبيعة الحال احدى معضلات التكنولوجيا الشبكية ، لا يختص بها مجال دون آخر . كذلك قد يكون السبب اتقاء الناس الفتن التي قد تنجر عن النهي عن هذا المنكر الذي يطال الأذان ، وكثير من الأوضاع المسجدية التي تحتاج إلى الجهود الحكيمة لمعالجتها والحفاظ على سمت المسجد و  وقاره ، وقداسة العبادة ، ووحدة الصف  الاجتماعي ،وسلاسة رسالته العظيمة ،  وبسط المرجعية الدينية الوطنية على المجتمع المسجدي ، واليقظة الذكية من التسربات الخطيرة التي أعطتنا مأساتنا الوطنية درسا بليغا فيها .

قلنا إذا التمسنا العذر لمن أحوالهم كذلك ، فأي يعذر يلتمس للأئمة والجمعيات الدينية التي لست أدري مدى صلاحياتها فيه، و إن كنا أدركنا الجمعية الدينية تعنى بالشأن المسجدي كله، تبنعث إليه بباعث ، شعور الأمين على بيت الله تعالى مخبرا ومظهرا ، جوهري أو ثانوي شأنه .

والعذر أقبح ذنبا إن نَأَتْ جهة وصية على تفاوت درجات الوصاية القانونية الإدارية والشرعية بنفسها عن هذا المنكرات الجسام التي، استفحل في بعض المساجد ، وجراءة جهلة ، وأميين ، وأدعياء منزلة سِنٍّ أو جوار مسجد  او حمامته ،أ و  جاه اجتماعي او ذا مال ينفق منه على مصالح المسجد واحتياجاته ،أن  يتخذه سلطانا ليؤذي المسلمين بمنكر صوته ، أو يفرض راغبا في تسميع الناس مناكر الأصوات ، أو تطوعا للقيام على بعض شأنه ، فستولى على الأذان ، و يمنع بتسلط و شراسة من يُقَدَّم أو يتقدم لرفع الآذان في كنف شروط الصحة والجمال .

              لا شك أن كثيرا من المصلين في المساجد التي تعاني مما يرتكب في حق الأذان من انتهاك ، ومن أصوات نافرة ، قد سعت لمعالجة الأمر ، ولم تجد لجهودها صدى . فاحتسبت الأمر عند الله تعالى . وصبرت على ما يؤذي مشاعرها وعواطفها الدينية في الأذان الذي يريح النفوس ويلين القلوب بين يدي الصلاة .

لقد سقنا في المقال المذكور عينات من أذان مؤذنين  تنفر الملائكة والمسلمين من أصواتهم المنكرة ،  وانتهاكاتهم الفاجرة  لشعيرة الرحمة والأنس والاخبات بين يدي العبادة الأولى في الإسلام ،  العينات ظلت على حالها ؛ يرفع المصوتون منها ، ما يؤذى الطباع السليمة ، والنفوس الشاعرة ، والأذواق الحساسة .

لم نكتف بالبلاغ الصحفي ، إنما رفعنا التنبيهات والشكاوى لمن يهمه الأمر قانونا وشرعا ، فلم نجد  من السبيلين صدى ، ولا شهدنا تغيرا ! بل إمعانا من بعضهم أدخل في الأذان كفرا صريحا كقول  أحدهم ” حي ّ على صلاه ” هكذا بالتنكير !!!

أعدنا تذكير  جهات وصية مباشرة عبر عينات { يرجع للمقاطعة الإدارية  العاصمية المختارة منها العينات إلى مقالنا المذكور} مؤلمة محزنة لما صار إليه شأن الأذان في بعض مساجدنا : منها :

1/مؤذن مسجد متطوع ، تجاوز كل ما يمكن التغاضي عنه : فالتكبير في الأذان صار هكذا {{{ الله أبّر …” والحيعلة   صارت عنده هكذا ” حي على صلاه” بالتنكر، وهو أمر في غاية الخطورة ؛ إذ يصير النداء حينئذ ، حي وأقبل على “صلاة ” أي أي صلاة ،: صلاة المسلمين او المسحيين او الهندوس فهؤلاء وغيرهم يشملهم اللفظ المنكر المحرف .

أما هذا المسجد { يراجع المقال المذكور ليعرف  المسجد المقصود }قفد وقفت وقفة في جائحة الأذان التي  مُنِيَ بها ، ولا يزال على نحو يحرك الصخور الجلاميد؛نظرا  للمنكر المفزع الذي يلحق الأذان منه يوميا . قلت وقفت وقفة ،مع إمامه الذي سلط، شخصا بدعوى أنه متطوع يقدّم خدمات مسجدية تسيل و تندلق من بين شدقيه الألفاظ سائلة غير متحكم في نطقها سلسة صافية ، مجريات الموقف وتفاصيله مع إمام المسجد وخطيبه ، المفروض أن تتداعى له مختلف الجهات الوصية للبت في فداحة موقف الإمام الخطيب ،  ورد فعله مع من أتى يناقش الأمر وفق متطلباته الشرعية والجمالية . ونحن إلى اليوم رغم  مرور  نحو سنتين على الحادثة ، وبالغ تأثريها في نفس الكريم ، نضبط النفس عن نشرها على الرأي العام ، وننتظر الالتفات إلى الرسائل الإلكترونية التي وُجّهَت لمختلف الجهات الوصية بشأنها. حرصا منا على حفظ مكانة بيت الله تعالى ، وسدّا لذريعة متصيدي المهيجات ممن يبصبصون لها ، عبر وسائل التواصل الاجتماعي

2/ مسجد   يعتمد المؤذن السرعة القصوى بصوت منفر مزعج .، وإنهائه على عجلة وضيعة مهينة للأذان وللذائقة الإسلامية السليمة .  

3/  مؤذن يلف :” لا إله إلا اللهحتى لا تكاد تبين أحرف الشهادة فيها

4/ ومسجد ، فيميل المؤذن لفظ الجلالة ، إمالة منكرة في “الله أكبر ” هكذا :” إليييه ….

5/ أما مسجد الذي غالب مصليه من فئة مخالفة للمرجعية المالكية ”  مؤذنه يبدو أنه من ذوي الاحتياجات الخاصة ، يعاني من صعوبة في سلاسة النطق و طلاقته ، فتأتي ألفاظ الآذان  منه مضغوطة على نحو منكر .مقزز .

أما عن الحلول فلا نزال نرى فيما اقترحناه ضمن مقالنا المذكور ، وضعا للأمر في موضعه، والذهاب به تطورا يؤدى دوره الشرعي منذ اختار الرسول صلى الله عليه وسلم سيدنا بلالا مؤذنه، بأعلى مواصفات الجودة والخشوع ، مع ما تراه هيئة الفتوى الشرعية الرسمية من أحكام وضوابط .

أضيف ضرورة بعث لجان تفتيش شبيهة بمفتشي التعليم لتفقد ومراقبة وتوجيه المؤذنين، وتقييم أدائهم بصرامة ، لا تسامح فيها؛ لأن الآذان رآه كثير من الكسالى والأميين أيسر السبل للحصول على وظيف في المساجد، أو إتمام العمر بقربة كيفما اتفق .